جيرار جهامي

مقدمة 14

موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف

وحصرها في اللّه دافع لتعطيل دور العقل . « فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل » « 1 » ، كذلك « من جمّد وجود ترتيب المسبّبات على الأسباب في هذا العالم ، فقد جمّد الصانع الحكيم تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا » « 2 » . كيف السبيل إذا إلى ملاقاة العقل عند الغير وقد عطّل دوره ؟ وماذا يبقى من ديّن فقد أداة الكشف عن خالقه ومصنوعاته ؟ وهذا أيضا نفي لفعل الفلسفة بالذات طالما هو يقتضي البحث عن الصانع من خلال الموجودات المصنوعات . لذا طالب ابن رشد الغزالي الإقلاع عن أسلوب التشويش لأنه أخرج العلم عن أصله وطريقه ، وأبطل على الناس إمكانية الوصول إلى سعادتهم الأخروية وكمالهم . والحق يقال أن الغزالي أقام قواعد محاسبة الآخرين ، فكرا وسلوكا ، على موازين دينية بحتة لا مجال لإعمال العقل في استيعابها أو نقدها . فمن يرفض لديه وظائف الإسلام وشعائر الدين ، من محظورات وتعبّدات ، أو من توقيفات وقيود ، كافر . وكل علم لا يمسّ بجوهر الدين أو بأحد شعائره مقبول عنده ، كما أفصح عن ذلك في المنقذ من الضلال وفي أكثر من مجال تقويمي لعلوم الفلاسفة « 3 » . بينما ترك ابن رشد مجال المعاطاة الدينية والفكرية مشرّعا أمام عقول الآخرين ، نظرا إلى نسبية تقويم هذه المسائل التي يحقّ التأويل فيها للعلماء وللبرهانيين ، ويحظّر على من هم ليسوا أهلا للنظر فيها . ربّ معترض ينبري هنا للقول أن هذا الهاجس الرشدي للمزاوجة والمواءمة بين الفكر الذاتي والمعطى الغيري أدّى به إلى فقدان ذاتيته ، والانعتاق وراء مجمل الشروحات والمختصرات التي وضعها على أفلاطون وأرسطو وجالينوس وغيرهم من اليونانيين والعرب . لقد سبق وأشرنا إلى أن ذاك الفيلسوف الذي بدأ نشاطاته الفكرية والعلمية محصّلا ما لدى الغير من ثقافة ، انقلب بعد الدربة والتمرّس فيلسوفا مبدعا أصيلا . فسار على طريق الاستقلال الفلسفي النوعي ، وارتضى التديّن الطوعي الواعي .

--> ( 1 ) ابن رشد ، تهافت التهافت ، تحقيق م . بويج ، بيروت ، دار المشرق ، الطبعة الثانية ، 1987 ، ص 522 . ( 2 ) ابن رشد ، الكشف عن مناهج الأدلّة ، سلسلة التراث الفلسفي العربي ، مؤلّفات ابن رشد ، إشراف محمد عابد الجابري ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1998 ، ص 105 - 107 . ( 3 ) الغزالي ، المنقذ من الضلال ، تحقيق وترجمة فريد جبر ، بيروت ، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع ، الطبعة الثانية ، تباعا الصفحات 20 - 22 - 23 .